اسماعيل بن محمد القونوي

432

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الاختيارية كما في الجمادات والاختيارية كما في الإنسان وهي أي الطاعة في الأول مجاز وفي الثاني « 1 » حقيقة وإرادة المجموع بطريق عموم المجاز . الوجه الأول أن التمثيل على هذا الوجه واقع في أحوال هذه الأجرام العظام حيث شبهت حال انقيادها وأنها لا تمنع عن مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسوية بهيئات مختلفة بحال مأمور مطيع منقاد لا يتوقف عن الامتثال إذا توجه عليه أمر المطاع كالأنبياء وإفراد المؤمنين كقوله تعالى : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] وهذا معنى قوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] فعلى هذا التأويل معنى فأبين أن يحملها أنها بعدما انقادت وأطاعت ثبت عليها وأدت ما التزمتها من الأمانة وخرجت من عهدتها سوى الإنسان فإنه حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ثم خان بضمنها أي نكث وأخلف أنه كان ظلوما جهولا وعلى الوجه الأول يعكس ما في هذا الوجه الثاني فإنه شبه هناك حالة الإنسان وهي ما كلفه من الطاعة بحال مفروضة لو عرضت على السماوات والجبال لأبت حملها وأشفقت منها لعظمه وثقل محمله وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته أنه كان ظلوما على نفسه جاهلا بأحواله حيث قبل ما لم يطق عليه هذه الأجرام العظام فعلى هذا قوله حملها مستعمل على حقيقته والمراد بالأمانة التكليف ومرجعه الإطاعة لأن المكلف لا يريد من تكليفه على المكلف إلا إظهار طاعته وقائل هذا الوجه الثاني هو أبو إسحاق الزجاج رحمه اللّه فإنه قال وحقيقة هذه أعلمنا اللّه تعالى أنه ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته وائتمن السماوات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له فأما السماوات والأرض والجبال فإنهن أطعن اللّه بقوله : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] ولم يحتمل الأمانة أي أداها فكل من خان للأمانة فقد احتملها وكذا كل من أثم فقد احتمل الإثم والكافر والمنافق حملا الأمانة أي خانا ولم يطيعا وقال الزجاج ومن أطاع من الأنبياء والصديقين والمؤمنين فلا يقال كان ظلوما جهولا ويصدق ذلك ما يتلوه في قوله : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ [ الأحزاب : 73 ] الآية روى صاحب المطلع عن الأزهري أنه قال ما علمت أحدا فسر هذه الآية بما فسره أبو إسحاق الزجاج هذا هو الذي عليه الاعتماد أن اللّه عز وجل قادر على أن يخلق في كل ذرة من ذرات الكائنات العلم والحياة والمنطق للتخاطب روى محيي السنة رحمه اللّه عرض اللّه الأمانة على السماوات على أعيان السماوات والأرض والجبال وعليه جماعة من التابعين وأكثر السلف فقال لهن أتحملين هذه الأمانة بما فيها قلن وما فيها قال إن أحسنتن جوزين وإن عصيتن عوقبن قلن لا يا رب لا نريد ثوابا ولا عقابا خشية وتعظيما لدين اللّه وكان الغرض تخييرا لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها والجمادات كلها خاضعة للّه ساجدة له لقوله تعالى : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] وقوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ النحل : 49 ] الآية وقال بعضهم ركب اللّه فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقال بعضهم المراد من العرض على السماوات والأرض هو العرض على أهل السماوات عرضها على من فيها من الملائكة وقيل على أهلهما كلها دون أعيانها كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية والأول وهو أن يكون المراد عرضها على أعيان السماوات والأرض أصح وهو قول العلماء كابن عباس وجملة من التابعين وأكثر السلف .

--> ( 1 ) وأما الأمانة فمجاز في الطاعة كما مر .